وفي قوله جل وعلا: حرم عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة:173] , الميتة هل هي محرمة على سبيل العموم؟ أي: كل ما كان من الميتة من جميع أجزائها؟ نقول: اتفق العلماء على أن الميتة تحرم بلحمها, وهذا محل إجماع عند العلماء, وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك, مما كان خارجًا عن لحمها؛ وذلك كجلدها وغيره, من الشعر والصوف, وكذلك الظفر والقرن, فاختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: فذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن الميتة تحرم بلحمها وما اتصل بها, قال: وما اتصل بها جلدها من باطنها, وظفرها, وقرنها, فهو متصل باللحم فيأخذ حكمه. ويخرج الإمام مالك رحمه الله من ذلك قرن الفيل, قال: باعتبار أنه منفك عنه, وأما بالنسبة للصوف والشعر فهو مباح. والقول الثاني وهو قول الإمام الشافعي قال: إن الميتة تحرم بجميعها, سواء ما اتصل منها أو لم يتصل. وذهب بعض العلماء إلى حل الصوف وحرمة الجلد, وهذا ذهب إليه جماعة من العلماء, وهو قول الإمام أحمد رحمه الله في رواية عنه.
واختلف العلماء فيما كان في جوف الميتة, وهو جنينها إذا مات معها, هل يقال بحله أو لا, فمن العلماء من قال: إن علة تحريم الميتة هي ألا تذكى ويحبس الدم فيها, فإذا حبس الدم فيها فإن العلة في ذلك تلحق الجنين في بطنها, فالعلة حينئذ واحدة, فيحرم الجنين حينئذ. ومن العلماء من قال: إن علة تحريم الميتة أن الميتة تموت غالبًا لعلل باطنة فيها من الأمراض والأسقام فتنتشر في لحمها فتموت, إما بهزال أو بوباء, أو أكلت سمًا أو نحو ذلك, فهذا ينتشر فيها فحرم لأجل هذا الأمر, قالوا: وإذا كان كذلك فأمراضها لا تنتقل إلى جنينها, بخلاف الدم الذي يكون محبوسًا, وهذه العلة هي علة مستنبطة, والعلل المستنبطة مما لا يقاس عليها عند العلماء, والله عز وجل قد حرم الميتة على سبيل العموم ولا يقال بحليتها.