وأما بالنسبة لهذه الآية فإنها في موضع تحديد القبلة, وتحديد القبلة يحتاج فيها إلى تثبيت, فمشرق ومغرب واحد, حتى تحدد القبلة على جهة معينة, ولهذا يذكر الله جل وعلا المشرق والمغرب في سياق تحديد القبلة, والمشارق والمغارب بالعدد أو التثنية في أبواب التعظيم, فيكون المشارق والمغارب هي مطالع الشمس والقمر, والتثنية يكون مطلع الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر, وأما المطلع والمغرب للشمس والقمر فإن هذا يكون في تحديد القبلة؛ كما في قول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:115] , وإنما قدم المشرق على المغرب باعتبار أن الشروق هو أول ما يبتدئ به النهار, فقدم الله جل وعلا الإشراق على الغروب.
وذكر الإشراق أكثر من الغروب في القرآن؛ وذلك تيمنًا بأفضلية أول النهار, ولهذا يقال: إن أفضل الأوقات لعمل الإنسان ونشاطه هو الضحى, ولهذا اختاره الله جل وعلا لموسى عليه الصلاة والسلام في مناظرة السحرة: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59] , كذلك أيضًا فإن الله عز وجل إذا أراد أن يعذب أمة أنزل العذاب عليها في الضحى, في حال تفاؤلها وسعادتها ونشوتها بما هي فيه من رغد عيش.
والجهات كما لا يخفى أربعة: الشرق والغرب, والشمال والجنوب, ولكن المعروف في القرآن والأشهر ذكره هو الشرق والغرب؛ لأنها أظهر في أبواب الدلالة, فالجنوب والشمال يستدل عليها بمعرفة الشرق والغرب, أما الشرق والغرب فتعرف في ذاتها من غير معرفة جنوب وشمال, ولهذا نقول: لما كان الشرق والغرب معروفة بذاتها قدمت؛ لأن الدلالة عليه ظاهرة, بخلاف الجنوب والشمال فلا يمكن للإنسان أن يعرفها إلا بمعرفة الشرق والغرب, ولهذا كثر في كلام الله عز وجل وسنة رسوله ذكر المشرق والمغرب, وكذلك في كلام العرب.