الآية الثانية في هذا هي قول الله جل وعلا: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ [البقرة:181] ، المراد بذلك هو تبديل الوصية، ومعلوم أن الوصية يشهد عليها، والوصية إما أن تكون مكتوبة، وإما أن تكون مسموعة، والوصية المكتوبة والمسموعة يطرأ عليها التبديل, والله عز وجل إنما ذكر السماع هنا؛ لأن الغالب عند العرب أنهم يوصون سماعًا, أو ربما كانوا يوصون شيئًا مكتوبًا ولكنهم يزيدونه بيانًا بالسماع، أو يؤكدون ذلك بشيء من السماع، فبين الله سبحانه وتعالى أن الوصية يطرأ عليها شيء من التبديل، والإثم في ذلك إما أن يطرأ على إلغاء أصل الوصية، أو على تبديل شيء منها، فذكر الله عز وجل التبديل: فَمَنْ بَدَّلَهُ [البقرة:181] ، يعني: أن من ألغاها أشد إثمًا عند الله سبحانه وتعالى, فعاقب الله جل وعلا على الأدنى وهو أن يبدل الإنسان حكمًا بحكم؛ كأن يوصي الإنسان بثلث ماله لفلان فيأتي من يبدله من الثلث إلى السدس، أو يبدله إلى عشر المال ونحو ذلك، فينقص من حق من أوصي له، فيكون هذا من التبديل, وأما بالنسبة للتعطيل والإلغاء فإن ذلك أشد إثمًا عند الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا أيضًا تطمين لنفس الموصي، فإن الإنسان إذا أوصى بشيء ثم قبض الله روحه وقع أجره على الله كما كان أوصى, وإثمه على من بدله.