وفي قول الله جل وعلا: بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124] ، تقدم الكلام أن هذا جاء على عدة معان، قيل: إن المراد بذلك المناسك، وقيل: إن المراد بذلك هي ثلاثين سنة كما تقدم الكلام عليه، وقيل: إن المراد بذلك هو ما جاء عن عبد الله بن عباس أن الله عز وجل ابتلاه بخمس في الرأس وخمس في الجسد.
وهذه قيل: إن المراد بها سنن الفطرة، في قول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] ، فالفطرة في هذه الآية: الظاهر من كلام المفسرين كما جاء عن عكرمة و سعيد و قتادة وغيرهم أن المراد بذلك جملة من المعاني، لكن جامعها شريعة الإسلام من الاستسلام والانقياد لله سبحانه وتعالى، وقيل: إن هذا الموضع في هذه الآية يخرج عن الموضع في حديث أبي هريرة كما جاء في الصحيحين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، يقول ابن عبد البر رحمه الله: حمل الفطرة في هذا الحديث على الفطرة في تلك الآية محال، فلا يكون المراد بهذا ذلك المعنى، والفطرة من جهة الأصل هي الابتداء، كقوله: (فاطر السموات والأرض) أي: منشئهما سبحانه وتعالى، يقول عبد الله بن عباس كما روى ابن جرير الطبري من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: كنت لا أدري ما: فاطر السموات والأرض, حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر, فقال أحدهما: أنا فطرتها, وقال الآخر: أنا فطرتها, يعني: ابتدأتها فكل منهم يقول: أنا الذي بدأت بها.