والله جل وعلا قد بيَّن حال المرأة إذا كانت مدخولًا بها، والقرينة على هذا أن الله جل وعلا قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228] ، والمرأة التي يخلق الله عز وجل في رحمها هي التي قد دخل بها، وما يخلق الله جل وعلا في رحمها يخلق حملًا وحيضًا. فالأمر الأول وهو الحمل لا يكون إلا بعد دخول. إذًا: هذه الآية متوجهة إلى المطلقة الحائض المدخول بها، فلا بد من توفر ذلك في المرأة التي تطلق، وأما بالنسبة للمرأة التي لم يدخل بها فليس عليها عدة, ويأتي بيان ذلك.
وقول الله جل وعلا: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228] ، قيل: إن المراد بذلك هو المشروع، أي: ما شرعه الله جل وعلا من حكم. وقيل: إن المراد بذلك هو الأمر, وجاء بصيغة الخبر، ولكن نقول: إن الخبر تارة يأتي ويراد به الأمر، وتارة يأتي ويراد به المشروع، كما في قول الله جل وعلا: يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ، وليس المراد بذلك أنها مأمورة أن ترضع أولادها حولين كاملين، ولكن هذا يقيد بحسب المصلحة في ذلك، وكذلك ثمة حد أعلى للرضاع، وحد أدنى على قول بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب على الزوجة تمام الحولين. ونقول: إن المراد بذلك على قول بعض المفسرين: هو الأمر، أنه يجب على الزوجة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء. وتربص المرأة بعد طلاق زوجها في الطلاق الرجعي، أن تبقى في بيت زوجها ولا حرج عليها في ذلك، وله أن يرجعها، ورجعتها في ذلك إما بلفظ أو بفعل، أن يقول: راجعتك أو أن يقبلها أو يجامعها من غير لفظ إرجاع، فهذا كاف في إرجاعها. وهذا من الحكم في إبقاء الزوجة في بيت زوجها في عدتها التي يطلقها به زوجها، وذلك أن يكون أدعى للرجوع بخلاف المفارقة التي تكون من أول طلاق.