ويعللون ذلك بجملة من العلل, أن هذا فيه درء لمفاسد, ولكنه ربما يجلب مفاسد أخرى؛ وذلك أن الرجل إذا أراد امرأة أن يتزوجها وقع عليها بسفاح ليرغمها على النكاح, وكذلك أيضًا فيه فتح لأبواب الحلول لمن وقع في سفاح وحمل, أن يتزوج فيكون شيء من الحلول لمثل هذه الأمور المحرمة. وهذه المسألة هي محل نظر, وإذا وقعت المرأة بزنا ثم تابت وظهر توبتها وخطبت, ولو كانت بكرًا قبل الزنا بها, فإنها تبقى بكرًا, ولا عبرة بالزنا, وإذا تابت فتزُوج على حالها, ولا تزوج على ما مضى منها, وقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فقال له: إن ابنتي زنت, ثم تابت, ثم لزمت القرآن والصلاة ثم خطبت, فهل أزوجها على أنها زانية, أم على أنها صالحة؟ قال: زوجها على أنها صالحة, فأعاد عليه؛ لأنه يريد أن يبرئ ذمته, قال: زوجها على أنها صالحة وإلا أوجعت ظهرك؛ لأن العبرة بالحال, ولا يجوز للإنسان أن يقول: إنها وقعت في حرام, فلا بد أن أبين لا, لا يجوز للولي أن يفعل ذلك, ولا يجوز لمن علم من حال زوج أو من حال امرأة أمر حرام ثم تاب منه أن يبديه بعد التوبة إذا سئل عنه, فذاك من الأمور التي قضاها الله عز وجل على الإنسان فتاب منها, فمحلها حينئذٍ الستر والغفران, فما تاب الإنسان منه فوجوده حينئذٍ كعدمه, فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وقول الله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235] , ذكر الله سبحانه وتعالى علمه بما تكنه النفوس, وهذا يظهر في كثير من الأحكام التي يتعلق بها الأمور والأعمال القلبية, على ما تقدم معنا في قول الله عز وجل: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:234] ، أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .