فنقول: لا يجوز للإنسان أن يتمنى ما جعل الله عز وجل الخصائص فيه لغيره، فقد روى ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس أنه قال في قول الله عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32] ، قال: هو قول الرجل: ليت لي ما جعله الله لفلان، وهذا يدخل في هذا الباب، سواء كان ذلك من أمور الأموال، أو من أمور الخصائص الشرعية، أو كان ذلك من أمر المواريث، فتتمنى المرأة ما للرجل من ميراث، ويتمنى الرجل ما للمرأة من أحكام وغير ذلك، فقد جعل الله عز وجل لكل جنس ولكل صنف حكمًا، وذلك لقدر يقدره الله جل وعلا.
قال: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32] ، الاكتساب في ذلك على نوعين: اكتساب مشروع شرعه الله عز وجل وقدره، وسواء كان ذلك مما جعله الله سبحانه وتعالى من أحكام شرعية من أمور المواريث أو غير ذلك. واكتساب في ذلك من قبل الإنسان لا من المشرع، وذلك مما يكون للمرأة أو للرجل من كسب أو ميراث، فترث المرأة من أبيها، أو يرث الرجل من أبيه، أو يكون له حضًا من مال في دنيا أو نحو ذلك، فقد جعل الله عز وجل لهؤلاء نصيبًا، والنصيب في ذلك إما مشروع وإما مكتسب من الإنسان من غير أمر تشريع، فلا يجوز للإنسان أن يعلق قلبه بما فضل الله عز وجل به غيره.
وفي هذه الآية دليل على أن الذمة المالية للمرأة منفصلة ومنفكة عن الرجل، فيجوز لها أن تتصرف في مالها دون إذن وليها، وأن مالها لها حق التصرف فيه دون وليها، سواء كان أبًا أو كان أخًا أو كان زوجًا، وهنا جعل الله سبحانه وتعالى كسب الرجل ككسب المرأة، فإذا ورثت المرأة من أبيها مالًا أو أخذت مهرها جاز لها أن تتصرف.