وقول الله جل وعلا هنا: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] , هذا يؤكد ما تقدم أن الله عز وجل أراد بقوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184] , جملة من المعاني, منها: التيسير لهذه الأمة, ومنها أيضًا: أن هذه الأيام لا يجوز للإنسان أن ينقلها, وإنما هي أيام معدودات أحصاها الله وبينها للأمة, فليس لأحد أن ينقلها, وهذا فيه إشارة وتحذير مما كان فيه أهل الجاهلية من النسيء في الأشهر, فإنهم يقدمون الأشهر ويؤخرونها بحسب أهوائهم, وهذا في دلالة التضمين في قوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] , يعني: مع وجود الأذى الذي يطرأ على الإنسان والمشقة أنه لا يجوز له أن يغير الأيام ويجوز له أن يفطر, وهذا فيه إشارة إلى ثبات هذه الأيام وأن الله عز وجل قد جعلها مقيدة بزمن معلوم، وأنه ليس للإنسان أن يزيد فيها أو يقدمها أو يؤخرها بحجة أن فيه كلفة أو مشقة عليه أو ضررًا, بل إن الإنسان إذا أصيب بضرر فإن كفارة ذلك عدة من أيام أخر توازي هذه الأيام, وهذه الأيام إنما هي قضاء لتلك الأيام المعدودات وليست هي الأيام, ولهذا قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] .
والمراد بقوله: فَعِدَّةٌ [البقرة:184] , يعني: بعدد الأيام التي أفطر فيها الإنسان, وفي هذا دليل على مسألة، وهي: أن التتابع لا يجب, ولهذا قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] , يعني: بعدد ما مضى من الأيام مما أفطره الإنسان يأتي به, وهذا على قول جماهير العلماء, أن القضاء لا يجب فيه التتابع, بل إن الإنسان يقضي بعدد الأيام, وأن الواجب عليه العدد وليس الواجب عليه التتابع.
وفي قوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] , المريض رخص الله عز وجل له الفطر.