وفيه إشارة إلى أن الموقوف على عبد الله بن عمر عليه رضوان الله إنما كان في آخر حياته عند حضور الموت. وأما بالنسبة للمرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد سمعه منه ثم حدث به، ولا يقال عكس ذلك؛ أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله كان يفتي بهذا القول الموقوف، ثم سمع صحابيًا نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم) ، ثم حدث به بعد ذلك، فإن حضور الوفاة في عبد الله بن عمر مع أنه لم يوص دليل على أن تحديثه للمرفوع كان قبل ذلك. وأما بالنسبة للموقوف فإنه كان عند حضور الأجل، فكان الموقوف مفسرًا للمرفوع الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا نقول: إن الآية بقيت على مشروعيتها، فنقول: إن الوصية باقية على المشروعية، أما من قال بعموم نسخ الأصل، وأن الوصية منسوخة برمتها، وليست من شريعة الإسلام، فهذا القول لم يقل به أحد من الصحابة عليهم رضوان الله، ولا أعلم أحدًا معتبرًا ينسب له هذا القول إلا إبراهيم بن خثيم وهذا مما يعد في مسائل الاتفاق، ولا يعد خلافه معتبرًا، ولهذا نقول: إن هذه الآية باقية على أصل مشروعيتها من جهة استحباب الوصية.
وأما التقييدات التي جاءت في هذه الآية في قول الله سبحانه وتعالى: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة:180] ، حيث ذكر الله عز وجل أن الوصية كتبت إذا حضر الموت، فهل نقول إن الوصية لا تجب على الإنسان إلا حال حضور الموت؟ نقول: لا، وإنما الله عز وجل ذكر حضور الموت؛ لأن الآيات جاءت في سياق حضور الأجل بإقامة الحدود على الناس، هذا أمر.