وكذلك في هذا اختبار لأمر المحبة الإلهية، هل تقدم محبة الله أم محبة العبد للعبد الآخر؟ فإذا غلبت محبة الإنسان فإنه ينفر من ذلك امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن المشرك إنما عدل في أمر المادة، وأما أمر الله عز وجل فظلم نفسه في ذلك؛ لأن الشرك في هذا ظلم عظيم، ولهذا يقول الله جل وعلا على لسان العبد الصالح قال: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، وهذا هو الإشراك مع الله عز وجل، قد سماه الله سبحانه وتعالى ظلمًا، وكذلك في قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] يعني: بشرك أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] .الله سبحانه وتعالى بين أن الإشراك معه جل وعلا ظلم، فالذي ظلم مع الله عز وجل ينبغي ألا يقدم وإن عدل مع الإنسان. وتقديم الإنسان لهذا الأمر المادي دليل على ضعف إيمان الإنسان وضعف الصلة بينه وبين الله سبحانه وتعالى. الإنسان إذا عدل معه أحد في تعامله، في بيعه وأدى له الأمانة وأنصفه من جهة التجارة، وأهدى له، وأعطاه، ووهبه، وأثنى عليه، وكساه، وأعطاه، ولكنه ظلم أباه، فقام بالتعدي على أبيك بماله والإساءة إليه، وسبه وشتمه، فلو أحسن إليك لكرهته، لقوة الصلة بينك وبين أبيك؛ لأنه أولى من إنصافه لك، فالإنسان الذي يقول: هذا عدل معي وأنصف، ولا يلتفت إلى ظلمه مع رب العالمين؛ أمارة على ضعف صلته بالله سبحانه وتعالى، وهذا الإعجاب هو الميل فطري، وليس هو الميل الذي يتكلف الإنسان أثره، والميل الذي يغرس في ذات الإنسان من حب الإنسان للحسب والنسب والمال والجمال والعمل وغير ذلك.