ومن العلماء من يقول: إن من وجوه المراد في قوله جل وعلا: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة:231] , أي: بقصد الإحسان إليهن وبذل الحق لهن، وذلك من الطعام، والشراب والكسوة والمسكن وللمعشر بالخطاب وغير ذلك, أي: أنه لا بد أن يقصد الإنسان برجعته هذه وإلا فإذا نقص شيء من ذلك فإن إرجاعه لها ليس بشرعي، وهل هو صحيح أو ليس بصحيح؟ صحيح لكنه آثم في مقصده ذلك؛ لأن الشريعة تؤخذ بالعقود في الظاهر. فيقال: يصح العقد إذا تمت شروطه الظاهرة, وأما المقاصد الباطنة فيأثم الإنسان بها وأمره إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا قصد إرجاعها مع الإضرار بها في باب النفقة من جهة التقليل عليها في جانب الطعام والكسوة ونحو ذلك, فهل يجوز لها أن تمتنع من الرجوع إلى زوجها أم لا؟ المرأة إذا كانت في عدة طلاقها عصمتها بيد زوجها، فله أن يرجعها من غير إذن وليها, وله أن يرجعها من غير إذنها باعتبار أنها في عصمته, فبمجرد إرجاعها ورغبته في ذلك فإنها تصبح لاغية تلك العدة التي تعد بها، وهي في عصمته، ولكن إذا قصد الإضرار بها بالإجحاف في جانب الطعام أو الكساء أو غير ذلك, فهل لها أن تمتنع أو لها أن تطلب الطلاق أم لا؟
نقول: إن الفقر الذي يكون فيه الزوج هل هو مسوغ لطلب الطلاق, أو أن يطلق الحاكم والقاضي الزوجة من زوجها أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إذا أفقر الزوج زوجته في طعامها وشرابها حتى يفسد عليها المأكل والمشرب من الجوع ونحو ذلك، فإنه يجب على الزوج أن يطلقها، وإذا امتنع من طلاقها فعلى الحاكم أن يطلقها منه، وذهب إلى هذا جماهير الفقهاء، وهو قول الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من السلف، وبهذا كان يقضي عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب وجاء هذا عن أبي هريرة عليه رضوان الله، وبه يقضي سعيد بن المسيب وغيره من أئمة السلف.