ذكر الله سبحانه وتعالى هذا النوع وهو الأغلب, وتقدم معنا أن القرآن يبين الأحكام تارة نادرة الوقوع ويصدرها على غيرها, أو قليلة الوقوع ويؤخر الكثيرة, وهذا لعلة: أن قليل الوقوع يقع فيه اللبس, وأما كثير الوقوع فإن الناس تتداعى وتشتهر أحكامهم, فالله سبحانه وتعالى يرتب أمثال هذه الأمور؛ لحكمة يقتضيها ويعلم أحوال الناس فيها, ويعلم فطر الناس في هذا الباب من جهة شح الأنفس في أبواب الأموال. ذكر الله سبحانه وتعالى هنا الطلاق قبل المسيس, والمراد بالمسيس هو الجماع, هذه العبارة تقدم أن الله عز وجل يذكر المسيس ويذكر الملامسة ويذكر الجماع ويذكر الوطء ويذكر النكاح, وهذه كنايات عن وطء المرأة وجماعها.
والله سبحانه وتعالى هنا ذكر المس, هل يدخل في هذا الباب خلوة الرجل بامرأته من غير مس, هل تستحق بهذه الخلوة المهر كاملًا؟ هذا من مواضع الخلاف عند العلماء, ذهب جمهور العلماء إلى أن الخلوة موجبة للمهر الذي يسمى كاملًا, ولكن يختلف الفقهاء, في تقدير الخلوة, منهم من يقول: إذا خلا بها وأرادها, فإنه يتمكن من ذلك, وإذا لم يتمكن من ذلك فإنها لا تسمى خلوة, والعلماء عليهم رحمة الله تعالى يعتدون بمصطلح ويتفقون عليه, حد أعلى ولكن يختلفون في الأدنى. وكذلك يتفقون في زمن ويختلفون في زمن من جهة الخلوة, وهذا من المواضع التي هي من أمور الاجتهاد, منهم من يقول: اليوم والليلة, ومنهم من يقول: ساعة وغير ذلك, وهذه فيما أرى من جهة الزمن ألا حاجة إليها, وأن العبرة في ذلك أن يخلو الرجل بامرأة لو أراد أن يمسها لمسها, ثم لم يتمكن من ذلك, فإن هذا الأمر يدخل في هذا الباب, ذهب إلى هذا جمهور العلماء, وهذا قول الإمام مالك , وقول أبي حنيفة , و الشافعي في قول له, وهو قول الإمام أحمد عليه رحمة الله.