وهذا يؤيد ما جاء عن عبد الله بن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما حرمه الله إلا نكاح زوجات الآباء، والجمع بين الأختين؛ لأن الله قال في كل واحد منهما: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، فقال في نكاح زوجات الآباء قال: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، وقال في الجمع بين الأختين: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، يعني: أنهم كانوا يطئونهن ويستحلونهن قبل ذلك.
وفي هذا إشارة إلى أن دليل الفطرة الذي غرسه الله عز وجل في نفوس الناس يتجزأ فربما يزول من البعض، وربما يبقى كله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل دليل الفطرة قويًا في مسألة الأمهات، والبنات، والأخوات، وكذلك الخالات، والعمات، وبنات الأخ، وبنات الأخت بالنسبة لعمهن وخالهن أن يطأهن، فبين الله سبحانه وتعالى ذلك التحريم. ولما كان أهل الجاهلية يحرمون هذا الأمر في جاهليتهم دل على أن في فطرتهم شيئًا من الاستقامة وأنه لم يدخل التحريف في أبواب النكاح مدخلًا تامًا كما دخل في أبواب العبادة، وإنما دخل في أبواب النكاح في بعض الأنواع كنكاح زوجات الآباء، والجمع بين الأختين.
وبهذا نعلم أن الأصل فيما دليله وازع الطبع عدم العذر به لقيام الأمر فيه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قيد (ما قد سلف) في الحالتين: في حال نكاح زوجات الآباء، والجمع بين الأختين. وأما البقية مع وجودها في الجاهلية ولكنها نادرة كنكاح البنات فهو موجود عند بعض الجاهليين، وقد ذكره بعض أهل السير ممن كان على ملة المجوسية ونحو ذلك. ومع ذلك لم يقل الله جل وعلا: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، لأنه لا يمكن أن يكون مباحًا ما سلف وما خلف، لأنه محرم بالطبع، ومن استحل شيئًا من ذلك فهذا دليل على انحراف فطرته وعدم عذره بهذا الانحراف.