وبهذا نعلم أن الأصل فيما دليله الفطرة أنه لا يعذر المخالف فيه، فليس لأحد أن يتزوج أمه، أو أخته، أو بنته، أو نحو ذلك ويقول: إني لا أعلم بالتحريم؛ لأن دليل في ذلك قائم. وتقدم معنا أن دليل الطبع أقوى في النفوس من دليل الشرع؛ لأن الله هو الذي طبع كما أنه هو الذي شرع، فطبع النفوس على النفرة من بعض المحرمات التي أكد الله جل وعلا تحريمها في كتابه العظيم، وإذا اجتمع تحريم الطبع مع الشرع كان ذلك آكد، والكلام على هذين البابين يحتاج إلى تفصيل في دلالة الطبع ودلالة الشرع، وتحريم الطبع وتحريم الشرع، ووازع الطبع ووازع الشرع.
وقوله سبحانه وتعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] ، ذكر الله جل وعلا هنا النكاح وما ذكر الوطء، والنكاح في لغة العرب هو الضم والجمع، فهل المراد بذلك النكاح بمعنى العقد، أم المراد بذلك مطلق الوطء سواء كان وطأ بعقد أو بغير عقد؟ يعني: وطأ الإنسان سفاحًا أو نكاحًا، كان ذلك بصورة مشروعة أو بصورة ممنوعة. فالخطاب ورد هنا بالنكاح، فقال: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:23] ، النكاح الأصل فيه أنه ما كان بعقد، وهل يطلق على الوطء من غير عقد نكاح، أم لا يطلق؟ نقول: في عرف الشرع واصطلاحه لا يطلق على الزنا نكاح، وإنما النكاح يطلق على العقد، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في الخطاب هنا في قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:23] ، هل المراد بذلك ما نكحه الآباء بصورة مشروعة أو ممنوعة فيدخل في ذلك العموم, أم المراد بذلك ما كان على سبيل التشريع وهو العقد؟ وقوله: وَلا تَنكِحُوا [النساء:23] ، شامل للأمرين بلا خلاف، فالإنسان لا يجوز له أن يطأ امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد، وهذا لا خلاف فيه.