المسألة الثانية في هذه الآية، ونتكلم عليها بتفصيل بعد استيعاب المسألة الأولى، ذكرنا المسألة الأولى وهي ما يتعلق بمسألة التأمير بالجهاد، وأما المسألة الثانية هي مسألة القتال لأجل الأرض، نتكلم عليها بالتفصيل بعد إتمام المسألة الأولى. ذكرنا التأمير ووجوبه من جهة الأصل في الجهاد، ونقول: إن الجهاد على نوعين: جهاد طلب وجهاد دفع، وأما جهاد الطلب فلا يختلف العلماء في وجوب التأمير فيه؛ لأن أمر المسلمين في ذلك على سعة، وهم الذين يملكون أمرهم من جهة الخروج ومن جهة الإمهال والإنظار، وكذلك في المبيت ولقاء العدو، وكذلك المعاهدة والسلم بخلاف جهاد الدفع فإنهم يدفعون عن أنفسهم، وذلك لصولة العدو عليهم.
يتفق العلماء على وجوب التأمير في جهاد الطلب، ولا خلاف عندهم في ذلك، ووجوبه في ذلك هل هو موجب لشرعية الجهاد، بحيث أنه لا يشرع الجهاد إلا مع تأمير، أم أن ذلك واجب منفك عن أصل التشريع؟ فنقول: اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في مسألة مشروعية أصل الجهاد على عدة أقوال هل الجهاد من جهة الأصل لا يشرع إلا بأمير، إذا قام موجبه إلا بأمير، وإذا لم يكن ثمة أمير يؤمر على المسلمين ويقوم بذلك الأمر، أو كان فقامت طائفة بالقتال من دونه، فهل وجود الأمير في جهاد الطلب من جهة الأصل هو شرط لصحة تحققه في الشريعة وإلا لا يسمى جهادًا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، وهذا هو قول الحنفية، والمالكية وهو المشهور عند الحنابلة في أن الجهاد لا بد فيه من أمير بكل حال، وثمة استثناءات يأتي الإشارة إليها.