ولهذا نقول: ربما دلت طبائع البشر على عمل البر من غير قصد لله؛ ولهذا نقول: إن الأعمال التي يصدرها الإنسان من أعمال البر هي على نوعين: أعمال يظهر فيها التعبد، فهي لله عز وجل عبودية ولغيره شرك. النوع الثاني: أعمال لا يظهر فيها محض التعبد, وهذا يكون في كثير من الأعمال، إما إماطة الأذى عن الطريق, وكذلك إغاثة الملهوف ونحو ذلك, فلو أغاث أحد من الناس ملهوفًا ليريد رضا جاره أو رضا أبيه, أو أن يذكر بخير فهذا يحرم الأجر, ولكن لا يلحقه وزر, ولا يكون في ذلك العمل مشركًا؛ لأنه لم يقصد التعبد في هذا. ولهذا يقع كثير من الناس في هذا الباب ولا يأثمون, وأما ما يقع فيه محض التعبد؛ كالصلاة من السجود أو الركوع والصيام والحج, والذبح والنذر وغير ذلك مما يفعله الإنسان ويظهر فيه التعبد, فإن صرفه لله فهو وحدانية, وإن صرفه لغير الله فهو شرك. وأما ما كان مما دلت عليه طبائع البشر مما يحبونه مما لا يظهر فيه محض التعبد إلا بالقصد، فنقول حينئذٍ: إن هذا الفعل يوكل إلى نية الإنسان إن أخلص لله أُجر, وإن لم يخلص لله عز وجل في ذلك ولم يقصد التعبد حال بذله، فإنه حينئذ يحرم الأجر ولا يلحقه في ذلك وزر, ويكون نصيبه في الدنيا ما ناله من ذكر حسن, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لسفانة ابنة عدي بن حاتم الطائي لما ذكرت أخلاق أبيها في الجاهلية من إكرام الضيف وإقرائه وإغاثة الملهوف، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه, أطلقوها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق) .