بسقاية الحاج حال ورودهم، وقاموا بأمن البيت، وقاموا بعمارة المسجد الحرام وتشييده وغير ذلك، وتركوا ما عدا ذلك من أصول. إذًا: إنما تشبثهم بهذه الشعائر هو لحظوظ النفس من جهة الحقيقة, وما تضمن ذلك من إسقاط للأصول وهو توحيد الله سبحانه وتعالى وما كان تبعًا لذلك من دعائم الإيمان وأعمال الجوارح الظاهرة؛ كالصلوات وغيرها، وكذلك ما كان متعلقًا بوسائل تحقيق التوحيد، والحذر من الوسائل الموصلة إلى الشرك، فقد وقعوا في ما نهى الله عنه, واجتنبوا ما أمر الله عز وجل به أصولًا وفروعًا وتعلقوا ببعض الشعائر. فهذه الآية رد للأمور إلى نصابها، وأن الله عز وجل كأنه ألغى مسألة الاتجاه في مقام الإيمان، أنكم لم تؤمنوا بالله سبحانه وتعالى, ولا باليوم الآخر, ولا بالملائكة, ولا بالنبيين, ولا بالكتب، فكيف تتكلمون على بر الجهات؟
الجهات ليست هي موضع نقاش فيمن أنكر ما هو أولى منها، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177] ، قيل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر المشرق والمغرب هنا على سبيل الخصوص مع بقيتها من الجهات ذلك لأمرين: الأمر الأول: أن المشرق والمغرب هي قبلة اليهود والنصارى، قالوا: إن اليهود يتوجهون إلى المسجد الأقصى، وأما النصارى فيعاكسونهم في القبلة, فذكر الله عز وجل الجهتين شرقًا وغربًا؛ لأن ذلك يتعلق بأمر أهل الكتاب.