والأظهر في ذلك والأشهر في كلام المفسرين: أن الخطاب في هذه الآية يتوجه إلى من حضر الوصية أن يتقي الله في الموصي، وأن يتقي الله في ذريته، فلا يلقنه شيئًا يجحف في حق الورثة, ويكون في ذلك ظالمًا فيقبل التلقين، وذلك أن الموصي خاصة إذا كان عند مرضه فإنه يوجل من حضور الموت, وتغيب عنه كثير من الحقوق، فإنه يقبل التلقين والنصيحة لشتات ذهنه وضعف قلبه، وعدم إدراكه لكثير من الحقوق واللوازم عليه، فيحب أن يدخر من ذلك حقًا لنفسه يوم القيامة، فربما ظلم الذرية وأنفق كل ماله. فأوصى الله عز وجل من شهده وكان حاضرًا أن يتقي الله في ذرية هذا الموصي، وفي هذا الموصي أن لا يحيف ولا يظلم، كما لو كان في موضعه فيتذكر ذريته، فعليه حينئذ أن يوصي وأن يحفظ حقوقه. وهذا في موضع قبل نزول ضبط الوصية ومقدار ما يوصي به الموصي، ولما جاء الأمر بتحديد ذلك كان الأمر واجبًا على قول عامة العلماء.
والوصية من جهة مقدارها تقترن بكثرة الورثة وضعفهم، فينظر إلى حالهم من جهة الزيادة والكثرة في وصية الموصي, إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدر ذلك بالثلث في قصة سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله كما جاء في الصحيحين، من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض في حجة الوداع, فقلت: يا رسول الله! إن عندي مالًا كثيرًا وليس لي وارث إلا ابنتي, فهل لي أن أوصي بثلثي مالي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. فقال: وهل لي أن أوصي بشطر مالي؟ قال: لا. قال: فهل لي أن أوصي بثلث مالي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث والثلث كثير) .