ومن ذلك: زواج صفوان بن أمية بن خلف فإنه تزوج امرأة أبيه وهي أم هانئ بنت أبي طالب وهي أخت علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى, فكانت زوجة لأبيه، فلما توفي عنها تزوجها ابنه صفوان، وهذا أمر معروف، وكانوا يعظمون النكاح فيما حرمه الله عز وجل من غيرهن، من نكاح الأمهات والبنات والأخوات والخالات، والعمات. وقد جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرمه الله من النساء إلا اثنتين هما: زوجات الآباء، والجمع بين الأختين، فكانوا يستبيحون ذلك في الجاهلية، هذا في الأعم الأغلب، وإن وجد من يستحل غير ذلك، فإن العرب وثنية وهذا في أصلها، وإن كان في أفرادهم من ينتحل نحلة المجوسية، فيقول بنكاح المحارم ولكنهم قلة، ولهذا وجد في أفرادهم من يطأ ابنته استحلالًا لأنه على ملة المجوس، والمجوس يستحلون نكاح المحارم، على خلاف عندهم في مقدار ما يحرم، منهم من يحرم الأم، ومنهم من يحلها، عافانا الله وإياكم من ذلك! وهنا في قوله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] ، إنما قدم الله جل وعلا تحريم زوجات الآباء على غيرهن؛ لأن ذلك أشهر في أمر الإباحة عند الجاهليين، فقدمه الله جل وعلا على غيره.
وهذا يؤخذ منه معنى من المعاني: أنه ينبغي للمصلح والعالم والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقدم من جهة الاهتمام ما ظهر التفريط فيه وإن كان غيره أولى بالاهتمام به، وذلك أن الله سبحانه وتعالى صدر هذا الأمر وهو نكاح زوجات الآباء على غيرهن من المحرمات، مع أن غيرهن أولى منهن من جهة التحريم، فإن نكاح الأم أعظم وأغلظ من نكاح زوجة الأب، وهذا لا خلاف فيه.