تصلح به الرعية ويرون أنهم ربما يرون ذلك تشددًا عليهم؛ يأمرونهم بالأشد يومًا ويومين حتى إذا صاحوا أنزلوا إلى الوسط, وحينئذ يقولون: أحسن الله إليك! لقد يسرت على الرعية, ولو أمرهم بالوسط ابتداءً لقالوا: شددت علينا, ويريدون ما دونه, وهذا أمر فطري في النفوس, والله عز وجل يعلم دواخل النفوس, فشرع الله ذلك الأمر شيئًا يسيرًا ثم أرجعه على ما يريده الله سبحانه وتعالى, خاصة إذا نظرنا أن الانتقال في مسألة صيام يوم واحد فرضًا ثم يكون ثلاثين يومًا أن هذا فيه انتقال كبير, ولهذا أو أجاز الله عز وجل الجماع ليلًا بعد أن كان محرمًا.
وفي قوله جل وعلا: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] , الرفث المراد بذلك هو الكلام الذي يكون بين الرجل والمرأة بشأن اللذة, ثم استعمل كناية عن الجماع, وفسره بالجماع غير واحد من السلف, وهم يجمعون على أن المقصود بالرفث هنا الجماع, فقد روى ابن أبي حاتم في كتابه التفسير من حديث أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: الرفث: الجماع. وجاء من حديث بكر المزني كما هو عند ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن عباس قال: الرفث: الجماع, إلا أن الله كريم يكني, يعني: يكني بالعبارة ولا يصرح سبحانه وتعالى, وذلك إكرامًا للَّفظ, وكذلك أيضًا للمخاطَب؛ حتى لا يعتاد الناس على فحش القول, فبين الله سبحانه وتعالى الحكم بما تستقر به النفوس بأدنى عبارة وأصلحها وأتمها. قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] , الصيام هنا يدخل في ذلك الفرض ويدخل في ذلك النفل, إلا أن المراد بذلك هنا بداهة هو مسألة الفرض.