فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 1575

وأما بالنسبة للعدوان إذا كان من غير مقابلة في غير الأشهر الحرم في غير هذه الحالة, كذلك أيضًا بعد نسخ ذلك الأمر فيجوز لأهل الإيمان إذا وجدوا قوة ولم يكن بينهم وبين المشركين عهد ولا ميثاق أن يبادروا المشركين بالقتال, وهذه الآية إنما قيدت ذلك بالمقابلة, والقرينة على ذلك قوله جل وعلا هنا بباء التبعيض في قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194] ، يعني: أن الله عز وجل عوضه بشهر حرام عن الشهر الحرام الذي صد فيه؛ ولهذا جاء بعد ذلك في قوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194] ، يعني: تكون بالمقابلة, وتقدم معنى كلمة القصاص؛ وهو: أن الإنسان يتبع الشيء بمثله؛ كالذي يقص الأثر, فإنه إنما سمي قصاصًا؛ لأنه تواطأ على مثل هذه الأثر بمثلها وتبعها على نحوها, ولهذا قال: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194] ، يعني: على ذلك النحو، وذلك أن الله عز وجل حرم الاعتداء على الإنسان بنفسه ودمه، فالعين والسن والأذن والأنف, حرم الله عز وجل الاعتداء عليها إلا ما كان بالمثل, فجعل الله عز وجل الجروح قصاص، وهنا: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194] , وبعض العلماء يجعل العدوان على نوعين: عدوان محرم, وذلك أن يبادر الإنسان بالاعتداء على غيره بلا حق، وعدوان مباح وهو أن يرد الإنسان على الاعتداء عليه بالمثل, وذلك في حال قتال المؤمنين المشركين على ذلك النحو كما في هذه الآية. كذلك أيضًا فيما يتعلق بالقصاص في أمور الدماء ونحو ذلك فإن الله عز وجل جعل لصاحب الحق سلطانًا يقتص ممن ظلمه.

وفي قوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194] ، أمر الله عز وجل بتقواه بعد ذلك لمناسبة الحال؛ لأن الله نهى عن الاعتداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت