ثم ذكر الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [البقرة:231] , الله سبحانه وتعالى ذكر عباده بنعمه؛ إشارة إلى أن الإنسان لا ينسى نعمة الله عز وجل إلا ولنسيان نعمة الله أثر عليه وأولها الاستهزاء بآيات الله وعدم الاكتراث بها, وأن سبب إعراض الناس عن دين الله عز وجل أو وقوع السخرية والاستهزاء بدين الله سببه هو نسيان نعمة الله عز وجل على العبد. ولهذا الله عز وجل لما نهى عن الاستهزاء أمر العباد بأن يذكروا نعمة الله، فمن ذكر نعمة الله عرف الله، ومن عرف الله أقام حدوده وعرف هيبته وأثره على عباده فالتزم أمره ونهيه, فالله جل وعلا ذكر العباد بذلك، قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] , فنعمة الله سبحانه وتعالى في ذلك، أن فصل لهم الدين وأكرمهم بهذه الملة, وكذلك ما رزقهم الله عز وجل فيه من خير, فإذا تذكر الإنسان نعمة الله عز وجل التزمها. وأثر ذلك: أن الرجل إذا أراد إضرارًا بزوجته أن يرجعها ليفقرها فتذكر أن النعمة من الله، فالذي جعلك مقتدرًا على إفقارها قادر على أن يمنعك من ذلك فيفقرك, كذلك الذي جعلك قادرًا على أن تعريها أو تؤذيها أو تبطش بها أو تضربها أو غير ذلك، فالله عز وجل قادر على أن ينزل بك ذلك، فالله عز وجل يُرجع عبده إلى ذكر نعمته سبحانه وتعالى حتى لا يبغي في ذلك أحد على أحد.
ثم ذكر الله عز وجل أعظم نعمة على عباده: وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة:231] , فذكر الله عز وجل بذكر النعمة عمومًا, ثم ذكر على سبيل الخصوص أعظم نعمة أكرم بها جميع البشر وهي الوحي والتي يفرق بها الإنسان حاله عن حال سائر الحيوان, فالله عز وجل أكرمه بهذا الكتاب العظيم وكذلك بالوحي.