فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 1575

وفي قوله سبحانه وتعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] ، قدم الله سبحانه وتعالى الوصية على الدين، وتقدم أن العلماء يجمعون على أن الدين يقدم على الوصية، ولكن الله عز وجل قدمها في أبواب الذكر، فقال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12] ، والدين من جهة استخراجه يكون قبل الوصية، يخرج الدين ثم يخرج الثلث أو الربع أو الخمس مما أوصى به الإنسان من المتبقي بعد قضاء دينه؛ لأن الدين ليس ملكًا له وليس في ماله حتى يدخله الثلث والمشاركة فيه، فيخرج للناس. ولماذا قدم الله سبحانه وتعالى الوصية على الدين في الذكر مع أن الدين مقدم على الوصية من جهة استخراجه؟ إن الله جل وعلا إنما قدم الوصية على الدين؛ لأن الدين له من يطالب به، فصاحب الدين ينشد ماله وحقه، فيطالب به من الورثة، وأما بالنسبة للوصية، فليست لأحد من الناس, فربما تكون حقًا مشاعًا لعموم الفقراء والمساكين، أو في عمارة المساجد أو في ابن السبيل أو غير ذلك. فقدم الله عز وجل الوصية في الذكر اهتمامًا بها، وكأن الله عز وجل جعل نفسه نائبًا عن أهلها مؤكدًا على إخراجها. وإنما كان الدين مقدم على الوصية في أبواب الإخراج, لأن الوصية من حق الله عز وجل، وأما الدين فحق الآدمي، وحق الآدميين مبني على المشاحة، وحق الله عز وجل مبني على المسامحة لو دخله شيء من التقصير, فحق الله عز وجل يعفو بذلك عن عباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت