وهنا الرشد المراد به هو حسن التصرف والتدبير، وحسن التصرف والتدبير المراد به في المال، فقد يحسن الصبي التصرف والتدبير في غير المال، فقد يحسن في مأكله ومشربه، وفي إعداد طعامه، وفي طبخه وغسيل أمره، ولكنه لا يحسن في التصرف في ماله، فلا يميز بين الحرام والحلال، ولا يميز بين السرف والاقتصاد ولا القبض ولا يعرف التوسط في ذلك فإنه لا يكون من أهل الرشاد. وإذا كان من أهل الرشاد وحسن التدبير في المال، فيعرف التصرف في ذلك ويحسنه ويعرف الخير والشر منه، ويعرف الضر والنفع منه، فإنه يدفع إليه ماله ولو كان غير راشد في غير ماله, وذلك في أسفاره أو في نكاحه أو ربما لديه ضعف في عبادته ولكنه في ماله يحسن، وذلك ممن يظهر فيه أمارات الفسق والتقصير في الدين، ولكنه يحسن تدبير ماله وقبضه، فالمراد بذلك هو صلاح التدبير في المال، وقد نص على ذلك جماعة من السلف كعبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى فيما رواه عنه سعيد بن جبير وغيره. قال: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:6] ، قالا: إصلاحه في ماله، يعني: إذا كان يعرف الإصلاح من الإفساد في المال والسرف من غيره فإنه يكون راشدًا, وهذا لا يكون إلا بالتجربة.
وهنا في قول الله جل وعلا: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] ، هنا الابتلاء هل يكون بإعطائه شيئًا من المال حتى ينفقه ليعرف اليتيم هل أحسن أو لم يحسن؟ هل أصاب أو لم يصب؟ وإذا أعطي من المال هل يعطى من ماله ليختبر أو يعطى من مال وليه ووصيه؟ يقال: إنه يعطى من المال من ماله هو من غير سرف، فلا يعطى مالًا كثيرًا فإذا أفسده أضر بماله، فيكون ابتلاؤه بذلك إذا لم يكن الإنسان يعرف تمييزه وإحسانه من غير مال، فإذا احتاج إلى إعطائه المال ليعرف رشاده في ذلك فيعطيه من ماله هو.