وفي قوله سبحانه وتعالى: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240] إشارة إلى أن المرأة بعد وفاة زوجها أمرها إليها من جهة الاختيار، فالمرأة البكر أمرها إلى وليها وإذنها صماتها، فإذا سكتت ولم تجب، فإن ذلك كان برضاها إذا أراد وليها أن يزوجها، وأما بالنسبة للثيب فإن أمرها إليها لا بد أن يظهر منها قبول أو رفض، فيكون الولي في ذلك يمضي فقط، من العلماء من قال: إن اليتيمة تأخذ حكم الثيب، وليس لمن تولى أمرها أن يجعل صماتها في ذلك كحكم القبول، وهذا له وجاهة، وذلك أنه قد جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى قال: (واليتيمة تُستأمر في نفسها) ، وهذا له حظ من النظر، وإن كانت المسألة خلافية عند السلف لموافقته للدليل، كذلك فإن الإنسان ينظر إلى اليتيمة التي تكون في حجره نظرة تختلف عن بنته، وذلك أن بنته ينظر إليها من جهة الشفقة والمودة والمحبة وقضاء الحاجة، والرأفة بها، فتختلف عن اليتيمة التي تكون في حجره، فربما أراد منها خلاصًا أو وجد منها كلفة لرعايتها والقيام بها، فيستغل سكوتها، وربما حملها على ما لا تريد، فيطلب منها أن تقبل أو ترفض، وتظهر ذلك كله، فتأخذ بذلك حكم الثيب.
وقوله جل وعلا: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:240] ، إشارة إلى أن الثيب يرجع فيها إلى اختيارها بذاتها، ولا يرجع في هذا إلى وليها، ولكن وليها هو الذي يقوم بعقد النكاح، وتقدم معنا الكلام في ذلك عند قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ [البقرة:221] . وفي قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240] إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه أن الله سبحانه وتعالى فرق بين عِدِد النساء من جهة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والتفريق في ذلك للخلاف بين الحالين، وهذا غاية في الإحكام، فالمفارقة بالطلاق تختلف عن المفارقة في أمر الوفاة.