وفي هذه الآية دليل على تحريم حبس مال اليتيم من الولي والوصي، فحبسه إضرار به وهو محرم، إذا كان قادرًا على التصرف محسنًا له, وهذا ظاهر في جملة من القرائن في هذه الآية، وصريحًا في قول الله عز وجل: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] ، وفي القرائن في قوله: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6] ، وذلك أن الابتلاء هو الاختبار والامتحان وتتبع الحال فيها من الكلفة والمشقة بمعرفة تمييز الصبي من الخير والشر، واليتيم بعد بلوغه من إدراك حقه عن حق غيره، ومعرفة مواضع الخير والشر، والنفع والضر عند تصرفه، ومعرفة مآلات الأمور ومعرفة الحال, فإن ذلك مما يشق على الولي والوصي أن يدركه من أول مرة أو ربما مرات، فيحتاج إلى شيء من التفحص؛ ولهذا يتفق العلماء على أن المراد بقول الله جل وعلا: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6] ، يعني: اختبروهم مرةً بعد مرة وكرة بعد كرة حتى تدركوا أنهم رشدوا وبلغوا النكاح. وهنا في قول الله سبحانه وتعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6] ، اليتم على ما تقدم معنا هو من فقد أباه وكان سنه دون البلوغ ودون الاحتلام، وأنه إذا بلغ لا يسمى يتيمًا، وذلك لما روى أبو داود في سننه من حديث علي بن أبي طالب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتم بعد احتلام) ، فإذا احتلم فإنه يرتفع عنه اسم اليتم، ويكون حينئذٍ رجلًا أو امرأة، فيستقل بوصف غير وصف اليتم.
واختلف العلماء في الحد المقصود من قول الله جل وعلا: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6] ، وما الفاصل في ذلك؟ الفاصل في هذا هي علامات البلوغ التي يتكلم عليها الفقهاء, والمستند في ذلك جملة من النصوص من ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة.