إذًا: الاتجاه إلى الكعبة أعظم من الاتجاه إلى غيره, وما زال الناس في الجاهلية وفي الإسلام يغيرون حجارة الكعبة عند تكسرها أو عند تفتتها وعدم الانتفاع بها, ويغيرونها إلى غيرها, وسمعت أنها من قريب غيرت بعض الحجارة ثم حملت ووضعت في سفينة ثم ركبت في البحر ثم رميت في البحر، هذه الحجارة مما كان في الكعبة خشية أن يتعلق الناس بهذه الحجارة بعينها، إما بتبرك أو تمسح أو طواف بها، ولهذا نقول: إن الحكم الشرعي متعلق في ذلك بالمكان, وأما بالنسبة للحجارة فإنما هي شاهد وعلم ليتوجه الناس إليها.
وفي قوله سبحانه وتعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [آل عمران:97] , يعني: في البيت الحرام جملة من الآيات البينات، ومن هذه البينات مقام إبراهيم, وحينما ذكر الله عز وجل هذه البينات ذكر وضوحها وجلاءها, وأنها ظاهرة ومعالم شاهدة, وأحكامها في ذلك بينة مشهورة, وأول ما ذكره الله سبحانه وتعالى في ذلك مقام إبراهيم وهي أعمال الحج.
وفي قوله هنا: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] المراد بذلك هو من دخل المسجد الحرام, وهذا يدل على المعنى السابق الذي تقدم الكلام عليه، أن المراد بالآيات البينات مقام إبراهيم وهي مناسك الحج؛ لأنه قال: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] , يعني: من دخل المشاعر كلها التي حدها الله عز وجل بالتحريم بحدودها المعلومة. والأمان هنا معلوم حتى عند الجاهلية العرب وغيرهم، أن الرجل إذا لاذ بالمسجد الحرام لم يتعرض الناس له, وما زالوا يهجرونه ويضايقونه حتى يخرج ثم يقيمون الحد عليه.
وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في إقامة الحدود في الحرم على عدة أقوال: القول الأول: من العلماء من قال بأن الحدود تقام في الحرم, وجعلوا ذلك على الإطلاق, وقال بهذا الإمام مالك رحمه الله.