إذًا: فهم عصوا على حروف يظنون أنها كلام الله, ولكن الذي يحرف المعنى مع ثبوت اللفظ يأتي أجيال يعاندون مع ظهور اللفظ عندهم, فجعلوا عمل الأحبار غالبًا على عمل الله, ولهذا كان اليهود أشد كفرًا من النصارى؛ لأنهم حرفوا المعنى مع بقاء أكثر اللفظ, فلا يوجد لديهم معاني, ويقرءون المعنى ويرون أنه يخالف أمر الأحبار والرهبان فينساقون لأمر الأحبار ويلوون أعناق كلام الله جل وعلا فيما بقي بين أيديهم, أما بالنسبة للنصارى فإنهم أخف كفرًا مع كفر الجميع, وذلك أن التحريف لديهم طال اللفظ وطال المعنى, فجاء الأتباع فطابقوا المعنى مع اللفظ فوجدوها متطابقة, فضلوا على بصيرة فيما يحسبون, وهم على ضلال في الحالين, ولكن كفرهم ليس على عناد غالبًا, خصوصًا عامتهم, أما بالنسبة لمن تبصر في كتابهم فإنهم انحرفوا عن كلام الله سبحانه وتعالى استكبارًا ومعاندة لأمر الله جل وعلا.
وهذا في إشارة إلى وجوب ضبط النصوص الشرعية كتابًا وسنة, وأن التحريف إذا تغير فيها ولو شيئًا يسيرًا قلب كثيرًا من المعاني, وأن هذا من تلبيس بني إسرائيل على الأمم. ولهذا نقول: إن من حرف المعنى مع بقاء اللفظ فيه شبه من اليهود, ومن حرف اللفظ مع المعنى فيه شبه من النصارى, وإن العلماء الذين يحرفون المعاني ويلوون عنق الألفاظ هم أشد عنادًا في الأمة ممن يغير اللفظ مع المعنى فيتبعه الناس, فالذين يتبعونه أخف منه؛ لأنه يرى النص ناطقًا بين عينيه ثم يلويه بهواه.