ولهذا نقول: إن عظمة الصدقة تكون من جهتين: الجهة الأولى: أثر المال عند المنفق. الجهة الثانية: أثر المال على المنفق عليه. الجهة الأولى وهي أثر المال عند المنفق، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [البقرة:177] ، أي: أن الإنسان يحب ذلك المال، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أي الصدقة أفضل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أن تنفق وأنت شحيح صحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) ، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أن تنفق وأنت صحيح شحيح) ، يعني: صحة الإنسان لا يوجد لديه انقطاع من الدنيا أو خشية من الذهاب منها؛ لأن الإنسان إذا أصيب بمرض يخشى من الذهاب فيزهد في ماله، فيعطي ماله ويبادر بالإنفاق, أو ربما أنفق يريد من ذلك تطهيرًا، فإذا كان الإنسان مكتمل الصحة والسلامة فإنه يؤمل استهلاك المال الذي لديه، وربما يحتاج ما هو أكثر من ذلك فيقوم بإمساك المال: (أن تنفق وأنت صحيح شحيح) ، ومعنى الشح: هو حب المال، فإذا كان المال نفيسًا عند صاحبه فإخراجه أعظم، وهذا محل اتفاق عند العلماء. الحالة الثانية: أثر ذلك المال على المنفق عليه، ولهذا (النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أفضل, قال: أنفسها عند أهلها) ، فقد تكون رقبة قيمتها خمسون، ورقبة أخرى قيمتها مائة ولكنَّ الخمسين نفيسة عند أهلها، وأما التي قيمتها مائة فصاحبها زاهد بها، ومعنى النفاسة أي: نفيسة عند أهلها، فيمسكون بها ولا يريدون إخراجها، فاحتمال إعتاقها وإخراجهم بها ضعيف، ولهذا يقولون: لا نساوم بها من جهة القيمة ولكن نريد إبقاءها ولا نقبل، ولكنَّ قيمتها خمسين، فإذا استخرجها منهم بقيمتها برضاهم كان ذلك أعظم من المائة التي يخرجها صاحبها بمائة، ولهذا النفيسة عند صاحبها والذي هو ضنين بها هي أعظم عند الله عز وجل أجرًا.