ثم أيضًا من مقاصد القرآن: أن النفوس إذا توطنت على شيء أو على فعل أو أحبت شيئًا من الأشياء المستقبحة, وأراد الشارع أن يبين جرم ذلك الفعل وعقوبته عنده، أن الله جل وعلا يبدأ بالحكم الأعلى, ثم يخففه لتتوطن النفوس عليه، وهذا ظهر في حكم الله عز وجل في أمر الفاحشة, أن الله جل وعلا أمر بحبس من أتى الفاحشة, وذلك حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله عز وجل لهن سبيلًا. هذا كان في ابتداء الأمر، ثم لم يطل ذلك ثم نسخه الله عز وجل إلى أمر الحدود، ولا شك أن هذا الحكم هو أشد وأعظم مما جاء في أمر الحدود، وذلك أن هذا الحكم لم يفرق بين البكر وبين الثيب، فهو من جهة العقوبة على حد سواء، فالله عز وجل أمر بالحكم الأعلى ثم نسخه إلى الأدنى؛ لتستخف النفوس العقاب الأدنى، فلا يكون عليها حينئذ ثقيلًا. وهذا تقدم معنا في سورة البقرة، ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى حرم في ابتداء الأمر على الرجال إتيان النساء في رمضان ليلًا ونهارًا, ثم لم يطل الأمر ونسخ فورًا إلى الأدنى, وهو أنه يحرم إتيان المرأة نهارًا، وأنه لو كان تحريم الإتيان نهارًا ابتداء لاستثقل، ولكن لما حرم ليلًا ونهارًا ثم نسخه الله إلى النهار أصبح أخف، وهذا من حكم الشريعة في توطين بعض الأحكام للنفوس، ولأخذ بعض أحكام الله جل وعلا.