الأمر الثاني: أن الله عز وجل قرنه بالقتل, بل إننا نقول: إن سجن الإنسان أو إقامته إقامة جبرية في بلده أهون من نفيه من أرضه, إذا أقيم على الإنسان إقامة جبرية في بلده فإنه أهون عليه من أن ينفى منها؛ لأن النفي عذاب؛ وذلك أنه يحرم من زوج, ويحرم من الأبناء, ويحرم من أقاربه وأرحامه, ويحرم من تجارته وأمواله وإدارته, ويحرم من عشيرته وأهله, ويحرم من معارفه, ويجد الإنسان من ذلك شدة على نفسه حتى إذا تغير عليه لسان قومه, يجد من ذلك شدة في نفسه, ولهذا لما كان أثر ذلك عظيمًا على النفس قرنه الله عز وجل بالقتل, ولهذا قال الله جل وعلا: لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84] .
وفي هذا أيضًا مسألة: وهي أن المواثيق والعهود والعقود لا تتم إلا بإقرار الطرفين, ولهذا قال الله جل وعلا: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84] , فالإنسان إذا أخذ عقدًا على أحد وهو ساكت, ولم يقر, فلم يقل: قبلت, أو نحو ذلك, فإن هذا ليس بإقرار, والإقرار إما أن يكون باللسان لمن كان متكلمًا, أو بالإشارة لمن كان لا يستطيع الكلام, أو بالكتابة للاثنين فإن ذلك من الإقرار, أما إذا كان الأمر من شخص من غير إقراره فإن هذا باطل, ولا يجب الالتزام به, وإنما سمي الإقرار إقرارًا؛ لثبوته واستقراره, وقد يحتمل أن المراد بذلك أنه خرج من قرار الإنسان, وهو جوفه, أي: أنه بين بذلك ما في جوفه, ولهذا قد يقال: إن ما يكره عليه الإنسان من قول فإنه لا يلزمه؛ لأن ذلك لا ينطبق عليه الإقرار.