والله عز وجل إنما دفع المشقة؛ حتى يجمع بين القلبين: القلب النافر فيأتي به، والقلب الذي يقوم باستهلاك واستنفاق مال اليتيم والإضرار به، فأراد الله عز وجل أن يدفع المشقة عن الأول في ذاته، وأراد في الثاني أن يدفع المشقة عن أمر اليتيم؛ لأنه لو دُفع الثاني لم يحرص أحد على تناول مال اليتيم، والمتاجرة به، فإن غالب أموال العرب إنما هي من الماشية: من الإبل والبقر والغنم، أو من الزروع والحرث، والزروع والغراس تحتاج إلى من يقوم بها، والنقدان إنما اشتهرت في الناس بعد ذلك، ولم تكن على توفرٍ في أيدي العرب، وإنما كانت أشياء يسيرة، فكانوا يبيعون الزروع ببعضها، ويبيعون بهيمة الأنعام ببعضها والأراضي ببعضها يقومون بعضها ببعض ثم يبيعونها، فلما كانت أموال الأيتام على هذه الحال، واليتم لا يزول غالبًا بعامٍ أو عامين، وإنما يحتاج إلى أعوام، ما يدل على أنه لو بقي بين يديه شيء من النقدين الذهب والفضة لاستنفذه الإنسان واحتاج إلى من يدير ماله من الزراعة، ومن رعي الماشية والعناية بها، وبيعها أو بيع صوفها وحلبها وغير ذلك، وهذا يحتاج إلى كفالة.
ثم الله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:220] إشارة إلى أن الله عز وجل قادر على جعل العنت والمشقة في الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد في ذلك اليسر للطرفين للأيتام وكذلك لمن كفلهم، وحكيم سبحانه وتعالى بأن جعل الإنصاف والعدل واليسر في الناس، فالله عز وجل أحكم دينه وشريعته، وجعلها ظاهرة بينة لمن أرادها.