وأما بالنسبة لمزدلفة، فإن الصدر الأول إذا كانوا في عرفة وخرجوا إليها فإنهم كانوا يقصرون باعتبار أنها خارج البنيان، والوقوف بمزدلفة واجب باتفاق الأئمة الأربعة، وذهب بعض العلماء إلى ركنيته، وهو قول الإمام أحمد في رواية، وذهب إليه ابن خزيمة رحمه الله إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، والصواب أنه واجب، ومن تركه فعليه دم، والأدلة في ذلك كثيرة منها حديث عبد الرحمن بن يعمر، ومنها ما جاء موقوفًا على عمر بن الخطاب عليه رضوان الله لما كان واقفًا بمزدلفة، فجاءه رجل، فسأله عمر فقال: أوقفت بعرفة؟ قال: لا. قال: اذهب إلى عرفة وقف هنيهة، فصلى عمر بن الخطاب صلاة الفجر، ثم ركب راحلته، فقال: أجاء الرجل؟ فقالوا: لا. قال: فانتظر حتى جاء الرجل ثم دفع، مما يدل على أن ثمة تفريق بين الوقوف بعرفة، وبين المبيت بمزدلفة، وذلك أن الوقوف بعرفة ركن باتفاق العلماء ولا خلاف في ذلك، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة) ، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن يعمر: يقول وكيع بن الجراح: هذا الحديث أصل المناسك وأم المناسك، يعني: هو الجامع لها وزبدتها، وأعظم أركان الحج هو الوقوف بعرفة، وهو أفضل أعمالها، ولم يأتي فضل في السنة في عمل من أعمال الحج كما جاء في الوقوف بعرفة.