والعلماء الذين يقولون: إن الجماع له أثر, قالوا: إن الله عز وجل منع من إمساكهن بقصد الضرار, ولكن الذي يمسك زوجه ثم يجامعها لا يقصد من ذلك إضرارًا بها فانتفى من ذلك الضرر, والله سبحانه وتعالى قيد ذلك بالإمساك بقصد الضرار، وهذا من مواضع الخلاف عند الفقهاء، إلا أنهم يتفقون على أن الشارع ينهى عن طلاق الزوجة في طهر جامعها فيه، سواء كان إمساكًا بعد طلاق أو كان طلاقًا ابتداء في طهر جامعها فيه، باعتبار أن هذا لم يطلقها لعدتها التي أمر الله سبحانه وتعالى بها.
الله جل وعلا يقول: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة:231] , الإمساك المراد به: الرجعة بعد طلاق, والتسريح المراد به هو: الإرسال, فالتسريح في لغة العرب هو: الإرسال, سرح فلان كذا إذا أرسله, وكذلك في قوله جل وعلا: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل:6] , المراد بذلك هو: إرسال الماشية من بهيمة الأنعام حتى تسرح مع راعيها، فيسمى بذلك إسراحًا وتسريحًا فهو إطلاق, فالمراد بالتسريح هو: الطلاق وتكون العصمة في ذلك بيد الزوج في قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة:231] . الإمساك بمعروف يجب في ذلك أن يكون بغير قصد الإضرار, والإضرار له صور متعددة, ومن صوره: أن يبين طلاقها فلا يريدها لحاجته ولا لمصلحتها, وإنما يريد بذلك إلحاق الضرر بها. ومن ذلك أيضًا: التقصير في نفقتها، يريد أن يرجعها ليذيقها بأس فقر أو جوع أو ربما عدم إنفاق في كسوة أو سكن أو غير ذلك من متاعها، يريد أن يلحق ضررًا بها ولو كان ممسكًا لها على وجه الحقيقة, فهذا منهي عنه؛ لأنه داخل في دائرة قصد الضرار, فالله عز وجل يقول: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] , فنهى الله جل وعلا عن إمساك الزوجة بقصد الإضرار لها، وسماه الله جل وعلا عدوانًا وظلمًا.