وهذا لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى, ولعل من أظهر الحكم أن الله عز وجل حينما جعل الخطاب بين الناس بأن يدرك بعضهم خطاب بعض فسدوا, وذلك أنهم يتواطئون على الشر, وحينما فصل الله عز وجل لغة الخطاب بين الإنسان وبين البهائم انتظمت الحياة, فكل له نظام مستقل, وكلما تواطأت المخلوقات فيما بينها، وأصبحت اللغة متصلة عظم التواطؤ على الشر, وهذا كما تقدمت الإشارة إليه في قول الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] , في مسألة الاستخلاف, وأنه كلما كثر الناس كثر الفساد فيهم, وأن من السياسة الشرعية: أن ولاة الأمر لا يجمعون الناس بكثافة في البلدان, فيمصرون الناس حتى يتكاثروا, فإنهم إذا تكاثروا تواطئوا على الشر, أو كثر الشر عيانًا ثم استمات في قلوبهم, بخلاف البلدان اليسيرة, ولهذا تجدون البلدان اليسيرة أقل شرًا وأكثر حياءً وأكثر غيرةً وحشمةً, وأما بالنسبة للبلدان المتسعة التي فيها الناس متوافرون من أجناس وأعراق فإنك إذا مشيت بطولها وعرضها ترى المنكر, ثم يتشرب القلب في ذلك حتى تفعله أنت من حيث لا تشعر, بخلاف البلد اليسير, فإنك لا ترى في ذلك المنكر, ولهذا من السياسة الشرعية أن البلدان لا تمصر كثيرًا, وهذا أمر معلوم, فإنه يظهر الفساد في الناس كلما اجتمعوا, لهذا أمر الله عز وجل باجتماع الناس على الإيمان, وأمر بالعزلة في حال الفتنة والفرقة, ففي الصحيح من حديث أبي سعيد أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يكون خير مال الإنسان غنمًا يتتبع بها شعف الجبال, يفر بدينه من الفتن) , يعني: في مثل هذا الموضع جاءت مسألة التواطؤ على الشر, إذًا: الوحدة خير لك من أمر الجماعة, ومن القرائن في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- أمر بالتغريب, والتغريب: نوع من دفع شر الإنسان عمن تواطأ معه على الشر, وتأديبًا له, وجلبًا لاستقامته أيضًا.