وذلك أن الله سبحانه وتعالى بين حال الصدقة وصفة المتصدقين من جهة الإعلان والإسرار, ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قوله جل وعلا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] , يعني: هؤلاء الذين تنفق عليهم, ثم بين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك حكم النفقة في قوله جل وعلا: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272] , يعني: على هؤلاء المشركين, فالهدية من الله جل وعلا. وأما في النفقة فهي أسباب تتخذونها إن شئتم، فثمرة ذلك ومردها إلى أنفسكم.
وهنا مسألة هي فرع عن هذا التقرير, في مسألة الصدقة والزكاة على المشركين, فهل يجوز دفع الزكاة للمشركين أم لا؟ نقول: إن المدفوع من الإنفاق للمشركين والمسلمين لا يخلو من أحوال. الحالة الأولى: أن يكون زكاة. الحالة الثانية: أن يكون صدقة. الحالة الثالثة: ألا يكون صدقة ولا زكاة, وإنما يكون هدية وهبة. أما بالنسبة للزكاة فإن الله عز وجل قيدها بأهل الإسلام, ولا يجوز أن يدفع أحد زكاته لمشرك, إلا ما قيده الله عز وجل في كتابه العظيم في المؤلفة قلوبهم, وهذا استثناء يدل على أن الأصل في سياق الأصناف الثمانية إنما هي لأهل الإسلام, فحينما ذكر الله عز وجل التأليف, دل على أنهم لا يعطون للفقر ولا للمسكنة, ولو دخلوا للفقر والمسكنة وغيرها ما خصوا في باب التأليف. كذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر الفقراء: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60] , ذكر الفقراء والمساكين؛ دل على أن المسلم يعطى لفقره ولو لم يؤلف قلبه, فإذا كان المسلم فاسقًا فاجرًا, ما دام مسلمًا فإنه يعطى لفقره, ولو علمنا أن الزكاة لا تقربه إلى الحق أو ربما قطعنا بهذا, فنقول: إن القطع بذلك أو غلبة الظن لا تعني إسقاط حقه بذلك؛ لأن الشريعة قد جعلت حقه في الزكاة لفقره ومسكنته.