وإذا كان ذلك غير معين، كأن يقول الإنسان: إني أوصي بثلث مالي، لا يجري على ماله الذي أطلق الوصية في وقته، كأن يكون الإنسان أوصى في هذا اليوم أنه إذا مات فثلث ماله صدقة، هذه وصية، وكان ماله ألفًا, فلما مات وجد من ماله خمسمائة, هل يجري الثلث على الألف أو على الخمسمائة؟ يجري على الخمسمائة ما لم يعين, فإنه إذا عين شيئًا في حال حياته، فقال: إن ثلث مالي وكذا أو بستان كذا أو أرض كذا أو نحو ذلك، فإنها تكون في المساكين أو الفقراء، فإذا عينها تجري في تعيينها, على خلاف عند العلماء في مسألة إذا نقص ماله وزادت عن الثلث, على ما تقدم الكلام عليه في مجالس سابقة.
وهنا في هذه الآية دليل على أن الوصية تخرج قبل التركة، قبل ميراث الوارثين؛ ولهذا قال جل وعلا: من بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] ، وهذا دليل على أن الدين يقدم على الميراث، وهذا باتفاق العلماء على خلاف عندهم في الدين إذا كان يستغرق التركة، كأن يكون عليه دين مائة ألف وتركته في ذلك مائة ألف، فلا يبقى للورثة شيء، هل يخرج في ذلك الدين كله من تركته ولا يبقى لورثته شيء، أم تقصيره في سداد دينه إلى وفاته يحول المال إلى الورثة حينئذ حتى لا يضر بهم، فالضرر فيهم أعظم من الضرر في غيرهم، وتقصيره في ذلك يبوء به؟ هذا خلاف عند العلماء: وجمهور العلماء على أن الدين قبل قسمة التركة سواء كان ذلك كثيرًا أو قليلًا، كان يستغرق التركة أو لا يستغرقها. والدين والوصية على ما تقدم يقدمان على إرث الورثة، وهذا ظاهر في قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] .