فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 1575

وفي قوله سبحانه وتعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] , نهى الله سبحانه وتعالى أن يتزوج الرجل الزوجة يريد الإضرار بها, والإضرار على ما تقدم يمسكها ونفسه لا تريدها, أو يبيت عدم النفقة عليها أو الإساءة إليها، فيريد إرجاعها بتجويعها أو تعريتها أو ضربها أو سبها أو شتمها, فقد بيت شيئًا من السوء لها فهذا من الإمساك ضرارًا، وسماه الله جل وعلا عدوانًا في قوله: لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] .

ثم قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة:231] جعله الله جل وعلا ظلمًا, ولكن في هذه الآية معنى لطيف بقوله سبحانه وتعالى: ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة:231] , مع أنه ظلم غيره, الظلم يتعدى إلى الغير, ولكن جعله الله جل وعلا لنفس الإنسان. والسبب في ذلك أنه يجب على الظالم أن يستحضر أثر ظلمه على نفسه قبل أن يستحضر ظلمه على غيره, فإنه ربما يتلذذ الإنسان بتعديه على غيره تشفيًا ولا يردعه من ذلك، ربما يزيده في ذلك إذا علم أن من اعتدى عليه يتأذى بذلك, ولكن لو استحضر أثر ظلمه عليه وعاقبته عليه ولو كان في آجل أمره لردعه ذلك. ثم في هذه المعاني أن الله جل وعلا ذكر ظلم الإنسان لنفسه إشارة إلى أن زوجه ولو سرحها فهي من نفسه ولها حق عليه ولو بانت منه. ومن المعاني في: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] أن الإنسان إذا ظلم غيره فقد تحقق فيها الظلمان: ظلم الإنسان لنفسه، وظلم الإنسان لغيره؛ لأن الظلم على نوعين: ظلم الإنسان لنفسه، وظلم الإنسان لغيره. ظلم الإنسان لغيره: هو ظلم لغيره وظلم لنفسه, فكل ظلم من الإنسان يقع على غيره هو ظلم لنفسه قبل أن يكون لغيره، وظلم الإنسان لنفسه لا يلزم من ذلك أن يكون ظلمًا لغيره, فذكر الله جل وعلا ظلم الإنسان لنفسه لهذا الوجه؛ حتى يشمل المعنى التام في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت