يقول: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] ذكر الله عز وجل الأمهات في أول المحرمات؛ وذلك لعلو منزلة الأم وحقها، فإن أعلى مراتب الرحم هي محل الأبوة والأمومة، فيطلق على الأب والأم الأبوين للتغليب، وذلك لغلبة الذكورة على الأنوثة لا لغلبة الحق، فالحق للأم في ذلك أعظم، وأعظم منازل الأبوة في ذلك هي للأم، ومعلوم أن المرأة الواحدة تكون أمًا من وجه، وتكون بنتًا من وجه، وتكون أختًا من وجه، وتكون عمة من وجه، وتكون خالة من وجه، وقد تكون أيضًا من النسب، وقد تكون أيضًا من الرضاع من وجه، فذكر الله عز وجل مرتبة الأمومة وقدمها على غيرها، مع أن المرأة قد تكون بنتًا وأختًا وعمة وخالة، ولكن لذكور آخرين، فذكر الله عز وجل أعظم وجوه الصلة في ذلك وهي مرتبة الأمومة، فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] ، وذلك أن أول رحم يدلي به الإنسان هو رحم أمه، والمراد بالأم هنا هي أم النسب، أما بالنسبة للرضاع فيأتي الكلام عليها فيما يأتي من هذه الآية.
قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] وذكر هنا البنات، وهن أشد تحريمًا من الأخوات، وذلك لأنهن أقرب من جهة الرحم، وهنا في ترتيب المحرمات يأخذ العلماء منه ترتيب الحق في الأرحام، وذلك أن التحريم والحل يتقابلان، من جهة الحل مما جعل الله عز وجل في ذلك الصلة، وكذلك جانب الولاية، وغير ذلك، فإن الابن أحق بولاية أمه من أخيه، وذلك للحق بينهما إذا كان بالغًا راشدًا، كذلك أيضًا من جهة الرحم، فصلة الأم أولى من صلة البنت عند التزاحم، وكذلك فإن صلة البنت أولى من صلة الأخت، لأن الله عز وجل جعل ذلك على الترتيب في أبواب التحريم، للتغليظ في الحق والمحرمية، وكذلك فإن البنت تدلي برحم مباشرة، بخلاف الأخت فإنها تدلي برحم بواسطة.