فهرس الكتاب

الصفحة 1539 من 1575

وأما في أمور النكاح، وهي الخصومات التي تكون بين الزوجين، في بقاء الزوجة في عصمة زوجها أو عدم بقائها، فهل قضاء القاضي في ذلك، ولو خالف الباطن؟ الحقيقة الباطنة يمضى عليها فيما بينهما مما يعلمان، يعني: أن القاضي إذا جاءه زوجان فتقاضيا عنده في أمر الطلاق، وكتما صورة أو لفظة لو بيناها لوقع الطلاق فقضى بالبقاء، هل يعني ذلك جواز أن يبقى الزوجان مع بعضهما أم لا؟ جمهور العلماء على أن أمور النكاح والفروج كالأموال، على أن قضاء القاضي الظاهر لا يغير الحقيقة الباطنة، وأنه يحرم عليهما البقاء إن كتما سببًا يفرق بينهما. وذهب أبو حنيفة عليه رحمة الله إلى التفريق بين الأموال وبين النكاح، وأن الأموال لا يجوز للناس أن يأخذوها إذا علموا أنها ليست لهم ولو قضى القاضي بخلاف ذلك. وأما بالنسبة للنكاح فرأى أبو حنيفة رحمه الله إلى أن قضاء القاضي في الظاهر يسري في الباطن، ويحتج بذلك في مسألة اللعان، ومعلوم أن اللعان يقضي القاضي وأحد الزوجين كاذب، وهو يعلم أنه كاذب، فيفرق بينهما لهذه العلة، فأمضى الله عز وجل أمره. ولكن نقول: إن هذا إمضاء أجازه الله سبحانه وتعالى، وهو في هذه الصورة لا يسري إلى غيرها؛ لأنه لو جاز للزوجين أن يأخذا بقضاء القاضي في الظهار مع مخالفته للباطن، لوقع في ذلك شر وفساد وتعطيل لأحكام الله عز وجل وحدوده الباطنة، فوجب على الزوجين سواء كان ذلك في النكاح، ووجب أيضًا على الناس عمومًا في الأموال أن يأخذوا بالحقائق الباطنة إذا لم يعلمها القاضي، ولو قضى بخلاف ذلك. وإنما النهي في قول الله سبحانه وتعالى: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة:188] ، يعني: أنكم تظنون أن أخذها عن طريق الحاكم يسوغ حلها وهي محرمة عليكم سواء أحلها القاضي أو لم يحلها؛ لأنه يجتهد فيما ظهر لديه من البينات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت