إلى المسجد الحرام، فما عرفوا من الدين إلا هذا، وأما إذا كانوا من أهل الصدق واليقين فإنهم يعرفون أن هذه الأشياء إنما هي توجيهات ربانية يريد الله سبحانه وتعالى بها أن يظهر امتثال العباد له جل وعلا. ثم قال تعالى: وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [البقرة:177] ، وذكر إيفاء العهد مع الله عز وجل ومع عباده, وتقدم معنا في مسألة العهد مع الله عز وجل والعهد مع عباده. وفي قول الله عز وجل: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة:177] ، قال بعض العلماء: إن المراد بالصابرين في البأساء والضراء هي شدة الفقر والعَوز والحاجة، الذين ينفق عليهم مع شدة بأسهم وفقرهم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى فرق بين البأساء والضراء وبين حين البأس.
وحين البأس: هو الجهاد في سبيل الله وذلك أن المسألة فيه وقتية، قال: حِينَ الْبَأْسِ [البقرة:177] , يعني: لا في ذات الإنسان وإنما في حينه, يعني: في حاله التي هو عليها، وأما بالنسبة للصابرين ما وجد هذا الشخص فينفق عليه, هو الغالب أن حال الإنسان في الفقر تطول زمنًا بخلاف الجهاد، فإن الجهاد يذهب ويغزو ويرجع، والإنفاق عليه إذا ذهب، ولهذا قال الله عز وجل هنا: وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة:177] ، يعني: ينفق عليه في حال الجهاد في سبيل الله, وإنما سمي بأسًا لشدة أثره على الإنسان, فهو يغادر عن المال والولد والزوجة والبلد, ويدع كل ما يملك وراء ظهره ويقبل على الله سبحانه وتعالى, ولهذا قال: حِينَ الْبَأْسِ [البقرة:177] ؛ لأن الأمر لا يتعلق به وإنما يتعلق بحينه التي هو فيها, وهو مسألة المقاتلة في سبيل الله سبحانه وتعالى. وفسر غير واحد من العلماء البأس والضراء في هذه الآية أن المراد بذلك هو شدة الفقر والعوز، جاء هذا عن قتادة وكذلك مجاهد بن جبر وغيرهم من المفسرين.