في قوله سبحانه وتعالى: خَلِيفَةً [البقرة:30] , يؤخذ من ذلك وجوه التعمير, وذلك من وجوه متعددة: الوجه الأول: أن الملائكة قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , ووجود الفساد لا بد من دفعه, ودفعه بضبط الناس على حكم الله عز وجل وشرعه, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وما لا تدرأ المفسدة إلا به فإيجاده وتحقيقه واجب, ولهذا ضبط حياة البشر في الأرض بدفع الفساد, وكذلك منع القتل لا يتحقق على وجه التمام إلا بحكم الله سبحانه وتعالى. الوجه الثاني: أن الله عز وجل جعل هؤلاء خلائف في الأرض، وسيأمرهم بأمر, وهذا الأمر لا بد فيه من حاكم ومحكوم, من شخص يخاطب وشخص يستمع, والمخاطب لا بد له من الاصطفاء, وهذا الاصطفاء هو الولاية التي يجعلها الله عز وجل في الناس, والله سبحانه وتعالى قد بين للملائكة أن وجود هؤلاء ليسوا للفساد, وإنما أراد الله سبحانه وتعالى ضبط أحوالهم فيما بينهم, ولهذا نقول: إن وجود الخلائف في الأرض إذا كان ذلك يتسبب في الفساد فإن ذلك الفساد يدفع بوجود الخليفة فيه. الوجه الثالث: أن كلمة خليفة من معانيها: الأمير, ولهذا تسمى الولاية خلافة. وقد جاء عند ابن أبي شيبة وغيره من حديث قيس أن عمر بن الخطاب قال: لولا الخِلِّيفة لأذَّنت, يعني: لولا الخلافة لقمت بمهمة الأذان. والمراد بالخلافة هي: الإمارة التي يتولاها الإنسان بعد غيره, ولهذا يسمى: أبو بكر الصديق خليفة رسول الله, ويسمى: عمر بن الخطاب بخليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا من وجوه معاني الخلافة, وبهذا نقول: إن ذكر الفساد في الأرض مع ذكر الخليفة دليل على وجوب التأمير.