وقول الله جل وعلا: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:219] ، بعد أن ذكر الله عز وجل أمر الموازنة بين الخمر والميسر في مسألة المنافع والآثام التي تلحق الإنسان في دينه ودنياه، أشار الله عز وجل إلى أن بيان هذه الأحكام لا يمكن أن تتضح للإنسان إلا بمزيد تفكر، والتفكر على نوعين: تفكر في أمر الدنيا وهي أمور الماديات، وتفكر في أمر الآخرة، ولا ينبغي للإنسان أن يعجل أمر الدنيا ونتيجتها على أمر الآخرة وعاقبتها، ولهذا لما ذكر الله عز وجل المنافع وهي عاجلة الإنسان مما يستمتع به في الدنيا وكذلك الآثام وهي تتعلق بأمر الآخرة غالبًا، فإن الإثم لا يطلق إلا على أمر الآخرة، وكل إثم يلزم منه شر في الدنيا، وأما بالنسبة لمنافع الدنيا فلا يلزم منها ثواب في الآخرة، ولهذا جاء استعمال الإثم في هذه الآية، فذكر المنافع، أي: أنها تنفعكم في الدنيا ولا يعني أنها تنفعكم في الآخرة، فالإنسان يستمتع بالمأكل والمشرب وسماها هنا منافع، لكن يؤجر عليها بالآخرة؟ لا يؤجر إلا على ما احتسب وما حث الله عز وجل عليه، فاستعمل لفظ المنافع، أي: أنه لا يلزم من ذلك أن يكون ثوابًا عند الله، وذكر الإثم إشارة إلى أنه لا بد أن يتلازم الإثم في الآخرة مع الشر في الدنيا، فاجتمع على الإنسان الأمران، وهو ضر الدنيا وضر الآخرة، بخلاف ما هم عليه، فهو منفعة دنيا مجردة لا تنفع بالآخرة، وهذه مسألة الاحتياط أنه ينبغي للإنسان أن يحتاط في الأمرين: فيما يتعلق بأمور الإيمان من جهة الأصل حتى لو وجد الإنسان في نفسه حسكة في مسألة من المسائل ونحو ذلك، يأخذ في ذلك جانب الاحتياط، ولهذا الملاحدة الذين ينكرون وجود الإله بعضهم يسلم ويشحذ ما يدفعه إلى الإيمان شحذًا لأن العاقبة في ذلك سلامة في الدنيا ونجاة في الآخرة، بخلاف الذي يلحد في جنب الله سبحانه وتعالى فهو إلى خسار، ولهذا يقول أبو العلاء