لهذا نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يتوازن في مواضع الخلاف, ومواضع الخصومات, عند من يود أو بينه وبينه صلة, أن يزن الأمور الحاضرة بالأمور السابقة, الأمور اللاحقة بالأمور السابقة, ينظر إليها ثم يوازنها, فيخرج بحكم عدل لا يندم معه أبدًا, والناس الذين يندمون يأخذون قرارًا حاضرًا لألم حاضر, وينسون ما مضى, ثم بعد ذلك إذا ذهبت حرارة هذا الحاضر بعد سنتين, فارقت زوجتي وندمت, فارقت شريكي, فارقت صاحبي, فارقت صديقي في موقف, ونحن عشنا عشر سنوات ونحو ذلك, ما الذي جعله يندم؟ أنه نسي الفضل الذي كان بينهم, فأخذ بميزان آخر, والله عز وجل لا ينظر إليه, ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:237] .يعني: يعلم سابق أمركم, ويعلم اللاحق من أموركم, فعليكم أن تعدلوا مع أنفسكم, ولا تظلموا ولا تبغوا, ولا تعتدوا على أحد وتجحفوا, تغضوا الطرف عن حسنات كثيرة وتنظروا إلى سيئات يسيرة.
كذلك فيه تشويف ما بين الزوجين, أن ينظروا إلى الأمور الحسنة من الخير والفضل والإحسان الذي يكون بينهم, ولا يستحضروا أمور السوء, وهذا فيه مغالبة لأمور القلب, أن النفوس دائمًا تذكر السيئ, والشيطان يحرص على تغييب الحسن, الله عز وجل هنا يريد دفع هذا الأمر, ويذكر بغيره, ولهذا نقول: من العدل مع النفوس أن الإنسان إذا استحضر مظلمة أحد فليستحضر حسنته وعدله, فإذا جاءه الشيطان فذكر السيئ فليستحضر غيرها حتى يعالج بعضها بعضًا, حتى يقوم الإنسان بالإنصاف, وهذا هو موضع العدل الذي لا يلقاها إلا صابر وتقي ومن وفقه الله سبحانه وتعالى إلى عدل وإنصاف.