والنوع الثاني: رباط على حريم المسلمين في ديارهم، وذلك أن تحرس الأموال إما ممن يصدون عليها من فساق المسلمين وضعفاء النفوس، أو ممن يسهر على الأعراض وحمايتها أو غير ذلك، فهذا داخل في ذلك الخطاب، ولكن هذه الآية لما جاءت في سياق الهجرة والجهاد، وجاء في ذلك الأمر بالصبر والمصابرة؛ كان الأمر الأول أقرب وأحظى بالنص, أن المراد بقوله جل وعلا: وَرَابِطُوا [آل عمران:200] ، هو المرابطة في سبيل الله في الثغور. وهذا قد جاء تأويله عن غير واحد من السلف، وقد جاء عن عمر بن الخطاب، ومجاهد بن جبر وزيد وغيرهم من السلف عليهم رضوان الله تعالى.
والمرابطة إشارة إلى بقاء الإنسان في موضع لا يتحرك منه عينًا للمسلمين، وجاء في فضل الرباط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، واقترن أيضًا من جهة الفضل والأجر في الجهاد في سبيل الله، ولهذا جاء من حديث سهل بن سعد في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رباط ليلة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) .وكذلك جاء في حديث سلمان الفارسي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإذا قتل أجرى الله سبحانه وتعالى له عمله وأمن الفتان) ، يعني: فتان القبر، وإذا كان هذا في المرابط فإنه كذلك في المجاهد في سبيل الله في القتال من باب أولى، ولهذا نقول: إن من قتل في سبيل الله فإن الله سبحانه وتعالى يؤمنهم من الفتان -وهو فتان القبور- أي: لا يفزع منه، ويؤمن الله جل وعلا كذلك في جوابه. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (عينان لا تمسهم النار) ، وذكر منها: (عين باتت تحرس في سبيل الله) ، وهذا داخل في ذلك على النوعين.