وسورة البقرة يجب على طالب العلم ألا يخلي نفسه من معرفة الآيات المتعلقة بالأحكام فيها، وذلك أنه لا يسوغ لطالب العلم أن يستدل بمسألة من المسائل إلا بأعلى الحجج، وأعلى الحجج في ذلك البينة هي من كلام الله سبحانه وتعالى، ثم ما يأتي من ذلك من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك من كلام السلف، وصدرهم في ذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ومن جاء بعدهم، فإذا كان الدليل في كلام الله عز وجل بينًا ظاهرًا، فالأولى لطالب العلم أن يستدل به، فإذا غاب عنه واستدل بدونه فإن هذا يعد قصورًا في طالب العلم.
أول هذه الآيات من سورة آل عمران في قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] ، ذكر الله سبحانه وتعالى أنواع الآيات المتعلقة بالأحكام وغيرها، وأنها على نوعين: النوع الأول: هي الآيات المحكمات، وهي أم الكتاب وأصله. والنوع الثاني: هي المتشابهات، والمحكمات هي الأصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الأصل في الشريعة البيان، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير كما جاء في الصحيحين وغيرهما: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات) .قول الله سبحانه وتعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] ، يعني: أصله، وما عدا ذلك فإنه يكون من الفروع، ولهذا نقول: إن الأصل في كلام الله سبحانه وتعالى الإحكام، وهو غالبه ومجموعه، وفي كلام الله سبحانه وتعالى من المتشابه وهي آيات معلومات، ولكنها ليست من الأصول؛ لأن مقتضى الإنزال في كلام الله سبحانه وتعالى هو البيان والظهور، وإقامة الحجج وقطعها على المحتجين من أرباب الأهواء، فالله سبحانه وتعالى جعل الأصل في كتابه البيان.