ولهذا المنافقون لا يواجهون الحق بعينه وإنما يعتذرون لتركه، وإذا كثرت الأعذار في ترك الحق فهذا أمارة على النفاق، كما في غزوات النبي عليه الصلاة والسلام لما أمرهم بالخروج إلى تبوك قالوا: لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81] ، ولما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالقتال فيها قالوا: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49] خشية فتنة النساء، يعتذرون بذلك، ولما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام في الخروج إلى أحد: قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167] ، يريدون من ذلك الخروج بأعذار، وكلما كانت الحجة ظاهرة والعذر في ذلك ضعيفًا فهذا أظهر في النفاق.
الآية الثانية في قول الله سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] .
في هذه الآية إشارة إلى استواء الذكر والأنثى في أبواب الجزاء والإجزاء والثواب والعقاب، يستوون في الجزاء والإجزاء والثواب والعقاب في أبواب الطاعات، وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل أصل الأمر يتوجه إلى الناس جميعًا، سواءً كانوا ذكورًا أو إناثًا. وكذلك إلى الثقلين سواء كانوا من الإنس أو كانوا من الجن، وفي هذا أن الأوامر إذا جاءت من الله سبحانه وتعالى عامة أن الامتثال في ذلك يكون عامًا إلا بتقييد، وأن العمل إذا جاء من الثقلين وجاء من الذكر والأنثى منهم أن الثواب في ذلك واحد، وذلك لقرائن عديدة، فالأصل في التشريع والأصل في الخطاب أنه يتوجه إلى الجميع، فيجب أن يكون الجزاء والإجزاء والثواب والعقاب في ذلك على السواء.