فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 1575

والإنسان لا يأخذ بعلمه الباطن، وإنما يأخذ بالأمر الظاهر؛ ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين كمعاملة المسلمين، وهذا من الحكمة والسياسة، تقوية للمسلمين وكبتًا لباطن المنافقين أن يخرج, وكذلك أن يتزاحموا وأن يكثر بعضهم بعضًا، ولهذا لما رجع عبد الله بن أبي إلى المدينة ومعه ثلث القوم ما واجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، بل لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في غزوات أخرى أخذ أولئك معه، والله سبحانه وتعالى هنا ما أبدى كفرهم الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما أبدى نفاقهم الباطن حتى لا يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر، وإنما يعاملهم بالنفاق، فلا يصدرهم ولا يقدمهم في حال من تلك الأحوال في قضايا الأمة على السرايا والجيش ويستأمنهم على الأعراض والأموال، وإنما يأخذهم تكثيرًا للسواد ودفعًا لشرهم ومكنون نفوسهم، حتى لا يخرجوا عن ما زاد من الشر الذي أظهروه. وهذا في سياسة النبي عليه الصلاة والسلام في المنافقين واحتوائهم وعدم فصلهم عن صفوف المسلمين، من سياسته عليه الصلاة والسلام في تعامله في الغزو، وتعامله عليه الصلاة والسلام في المدينة في المجالسة والمخالطة والعطية وإجابة الدعوة، إنما يأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظاهر، ولهذا هنا إنما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك لنبيه ليعلم ما في باطنهم. ولهذا ذكر الله عز وجل إشارةً إلى هذا المعنى في قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:167] ، أي: أنهم يكتمون أمرًا غير ما يظهرونه من الأعذار، فهم في غزوة أحد أظهروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يلتقي بالمشركين؛ لأنه لن يكون في ذلك قتال، فلا نريد أن نأخذ في الذهاب في قتال ربما لا يتحقق، وهم في حقيقتهم إنما يتعذرون، وأكثر الناس أعذارًا للخروج من الحق هم أكثرهم نفاقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت