وهذه اللغة في القرآن هي من تمام بلاغته, وذلك أن الاستثناء والإباحة بعد الحظر تأتي بصورة الترخيص, وغايته هو رفع الحرج وبقاء الأمر على ما كان قبل حظره, ولهذا الله سبحانه وتعالى حينما رخص للإنسان أن يأكل للميتة قال: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173] , مع أن الإنسان إذا خشي على نفسه الموت يجب عليه أن يأكل, ولكن لما كان ذلك بعد حظر جاء على سبيل الترخيص, ولهذا نقول: حتى في لغة الناس حينما يتكلم الناس على مسألة محظورة ويريدون أن يرخصوا ولو كانت الحالة تقتضي الوجوب فيقولون: لا حرج عليك أن تفعل كذا؛ كحال الإنسان حينما يسأل فيقول: أوشكت على الموت من العطش وعندي خمر, فتقول له: لا حرج عليك, مع أنه يجب عليك أن تحيي نفسك ولو بشرب الخمر, إذا كانت لا تدفع إلا به, فما كان بعد الحظر من الترخيص أو الاستثناء برفع الحرج والإثم كما في هذه الآية, ولهذا قال الله عز وجل: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] , ولهذا الذي يستدل بهذه الآية على أن السعي بين الصفا والمروة إنما هو سنة بهذه الآية هذا فيه نظر, ولهذا تقول عائشة عليها رضوان الله تعالى كما جاء في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة عليها رضوان الله تعالى قالت: (ليس كما ترى, ولو كان كما تقول لكان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) , لكان عكس ذلك, أن يرفع الله عز وجل عن الإنسان الحرج لوجود التكليف فيه فرفع الله الحرج, أي أنه وجد حرج نفسي في نفوس الناس فرفعه الله عز وجل بهذه الآية فبقي الحكم على قوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) , فيثبت هذا الأمر حينئذ من جهة أخرى بأدلة أخرى مستقلة.