ولهذا نقول بحكم القاضي جرى ذلك لا بمجرد ورود تلك البينة, ولهذا نقول: إن ما جاء في أمر اللعان إنما خصه الدليل بحكم بين ولا يجري عليه ما عداه, وجمهور العلماء يرون أن الدماء والأموال والفروج أنها في الحكم سواء في حكم القاضي، أن حكمه لا يغير الحق الباطن, وإنما يغير الأمر الظاهر ويدفع بين الخصومات. وهذا ظاهر فيما تقدم معنا في قول الله عز وجل: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] , يعني: تعلمون ومع ذلك حرم الله سبحانه وتعالى على الناس أن يتداعوا وأن يترافعوا وأن يدلوا ببيناتهم إلى الحكام ليأكلوا أموال الناس بالباطل.
ومن المسائل في هذه الآية: أن اليمين من الكافر في الخصومات تؤخذ, وحكمها كحكم اليمين من المسلم إذا كان أحد الطرفين كافرًا. وأما شهادة الكافر ويمينه، فهنا فرق بينها وبين الخصومة التي تكون بين المسلم والكافر, فإذا كانت الخصومة بين مسلم وكافر فتؤخذ منه اليمين في حال عدم وجود البينة على المدعي، إذا ادعى عليه مسلم ولم يكن لديه بينة فإنه يحلف, وإذا حلف يسقط عنه الحق, وحكمه في ذلك كحكم المسلم. وأما بالنسبة للشهادة فهذا أمر آخر, ويأتي معنا في مسألة الوصية، وذلك في سورة المائدة بإذن الله تعالى. ولهذا نقول: إن اليمين بين المتداعيين عند الخصومة بين مسلم وكافر, أنها عند قيامها في الكافر يكون كحال قيامها في المسلم. وإذا استحلف الكافر بماذا يستحلف؟ لا خلاف عند العلماء أنه لا يستحلف بحرام, فإذا كان وثنيًا لا يقال له: قل: والعزى واللات أو غير ذلك, أو إذا كان نصرانيًا أن يحلف بالصليب, أو يذكر ربه فيقول: والمسيح ابن مريم أو غير ذلك من الأيمان المحرمة هذا لا خلاف عندهم فيه.